عماد الدين خليل
73
دراسة في السيرة
وأبيّ بن خلف يجد رفيقه عتبة بن أبي معيط ، يجلس إلى الرسول ويستمع منه فيقسم ألا يكلمه حتى يأتيه فيتفل في وجهه ، فيفعل ذلك عدو اللّه فيقرعه القرآن وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا . يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا . لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا . . . « 1 » . ويمشي أبيّ بن خلف إلى الرسول بعظم بال ويقول له : أنت تزعم أن اللّه يبعث هذا بعد ما أرمّ ؟ ويفتّه أبيّ في يده ثم ينفخه في الريح بوجه رسول اللّه ، فيجيبه الرسول : نعم أنا أقول ذلك ، يبعثه اللّه وإياك بعد ما تكونان هكذا ، ثم يدخلك اللّه النار ! ! ويردّ القرآن : وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ « 2 » . ويعترض الرسول صلى اللّه عليه وسلم عدد من رؤوس الوثنية وذوي الكلمة في قومهم ، فيقولون : يا محمد هلمّ فلنعبد ، فنشترك نحن وأنت في الأمر ، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه ، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه ، فيأمره القرآن قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ . لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ . وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ . وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ . وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ . لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ « 3 » . . وآخرون يضعون في قدره الذي يطبخ فيه رحم شاة أو يطرحونها عليه وهو يصلّي ، فكان يخرج به في أعقاب صلاته ويقول : يا بني عبد مناف ، أي جوار هذا ؟ ثم يلقيه في الطريق « 4 » . . . طالت أيام الحصار ، واشتد الأذى بالمنقطعين في شعب أبي طالب ، فلم يكن لأحد من قريش أن يزوجهم أو يتزوج منهم ، ولا أن يبيعهم أو يبتاع منهم فعصرهم الجوع عصرا . وكان المحاصرون لا يخرجون من الشعب طيلة سني الحصار « إلا من موسم إلى موسم حتى بلغهم الجهد ، وتضاغى صبيانهم فسمع ضغاؤهم من وراء الشعب . وقال عبد اللّه بن عباس : حصرنا في الشعب ثلاث سنين ، وقطعوا عنا الميرة حتى أن الرجل ليخرج بالنفقة فما يباع شيئا حتى مات
--> ( 1 ) سورة الفرقان : الآيتان 27 - 29 . ( 2 ) سورة يس : الآيات 78 - 80 . ( 3 ) سورة الكافرون : الآيات 1 - 6 . ( 4 ) ابن هشام ص 83 - 88 . الطبري : تاريخ 2 / 337 - 343 .